طيلة الأشهر القليلة الماضية، كان الائتلاف الوطني حريصاً أكثر من ائتلاف المالكي على إخفاء حدة الخلافات بين الطرفين، الى أن تفجّر الموقف بينهما في ضوء تصريحات الدكتور عادل عبد المهدي نائب رئيس الجمهورية والعضو القيادي الفعال والمتوازن في قيادة الائتلاف الوطني.
المرة الأولى التي التقيت فيها الدكتور عبد المهدي كانت أواخر عام 1994، حيث زرته في مقره في مدينة أربيل، وقد شعرت بمودة خاصة اليه نتيجة البساطة الشديدة التي وجدت عليها حياته. فقد استقبلني بـ«دشداشة» كما اعتدت ارتداءها، وجلسنا معنا على الأرض، وكانت وجبة الطعام نصف دجاجة من السوق لكل منا. وأكثر من بساطة العيش أعجبت بواقعية أفكاره ونهج التسامح الذي يحمله. وهكذا استمرت العلاقات، فكان من بين قياديين قلائل من المعارضة لم أختلف معهم.
أما المالكي، فقد التقيته مرتين. كنا في الثانية مدعوين لوجبة غداء في بيت صديق بدمشق عام 1995، الرئيس طالباني والمفكر حسن العلوي وأنا والمالكي. ولمست خلال ساعتين اختلافاً كبيرا بين ما يحمله المالكي وما يحمله عبد المهدي، فكان ذلك اللقاء يوم فراق بيننا.
خلال انتخابات 2006، كنت ميالاً الى فوز عبد المهدي من الائتلاف، لكنه خسر ترشيح الائتلاف بفارق صوت واحد لمصلحة الدكتور إبراهيم الجعفري، من أصل نحو 130 صوتاً. وحصل أن وقف الكرد ضد الجعفري بقوة وكانت كتلة التوافق ضده أيضاً، فيما كان رأيي متعاطفاً معه، تفادياً لوصول رئاسة الحكومة الى المالكي. وكنت أود أن يخفف الكرد من معارضتهم الشديدة لتولي الدكتور الجعفري رئاسة الوزراء، لأنه يتمتع بشخصية تختلف كثيراً عن شخصية المالكي. وسارت الأمور لمصلحة المالكي. وكان على قادة الائتلاف عدم الرضوخ لمطلب الصدريين بأن يكون المالكي بديلاً للجعفري، وكذلك ارتكب الصدريون الخطأ.
لب الخلافات بين الائتلافين هو رغبة المالكي الملحة في تولي ولاية ثانية لرئاسة الحكومة، فيما سجل عليه الائتلاف الوطني ملاحظات لا تسمح بتكرار الخطأ، كما أن ولايته الحكومة ثانية أصبحت «مستحيلة» في ضوء ممارسات فريقه نهجاً اعتبره البعض فئوياً بامتياز، لو حصل على القائمة الفائزة الأولى افتراضاً.
وطيلة أشهر، كان عبد المهدي موضع استهداف مركز من فريق الدعوة المصغر الذي يقوده المالكي. وفي المقابل، فإن عبد المهدي لم يدخر جهداً عقلانياً وهادئاً لسحب الثقة عن حكومة المالكي، بيد أنه، وفي ضوء معلومات رفيعة المستوى، جوبه برفض إيراني، كما أن الأميركيين خدعوا بالمالكي -وما أكثر ما تعرضوا للخديعة- وكانوا حريصين على عدم حصول هزات سياسية، ولو على شكل مظاهر يسميها العراقيون «صبغ بيض». ووفقاً لمعلوماتي الشخصية، فإن أطرافاً في جبهة التوافق السابقة ارتكبت خطأ بعدم تأييدها توجه عبد المهدي هذا.
على أي حال، لم تعد هناك فسحة وقت تتطلب سحب الثقة عن المالكي، بيد أن الطلاق بين الائتلافين قد وقع بالتمام والكمال، ولن يحصل توافق بينهما إلا في حال تخلي المالكي كلياً عن فكرة توليه ولاية حكومية ثانية. وكلما واصل الإصرار على طموحه يصبح الطلاق قطعياً. وتشير كل الدلائل الى أن الائتلاف الوطني مستعد لاستخدام ما لديه من معلومات عن ممارسات فريق المالكي خلال السنوات الأربع الماضية، وهو ما يشكل تهديداً جدياً لمستقبل المالكي وفريقه على «مختلف» الاتجاهات.
عربياً، لم ينجح المالكي في تهدئة مشاعر الدول العربية ودواعي قلقها، وأطلق هو وفريقه تصريحات أدت الى مزيد من التحفظ العربي، خلاف عبد المهدي الذي لم ينطق بكلمة واحدة تجرح مشاعر العرب ولا حتى «عموم» البعثيين والعسكريين السابقين. وبذلك يرى كثيرون ان المالكي خسر اللعبة تماماً.