|

تابعت السفارة البريطانية في بغداد بدقة ما كان يجري بين شيعة الجنوب، القريبين من ايران، على مدى عام 1979، وتحدثت برقية بتاريخ 20 يونيو عن استمرار الاضطرابات المتفرقة والصدامات بين قوات الامن وخلايا متفرقة اطلقت على نفسها اسم «خلايا الحسين» في منطقة كربلاء شنت غارات على مراكز الشرطة، واستولت على اسلحة مما استدعى محاكمة ضباط على تقصيرهم وارسال فرق موالية للنظام الى المنطقة التي بدأت تخضع ليلاً لفرض حظر تجول او حتى لاقامة حواجز تفتيش متنقلة ليل نهار.
حواجز ميليشيات
في الوقت نفسه شوهدت حواجز لميليشيات بعثية في مناطق يسكنها الشيعة والاكراد وسط بغداد، لكن جولة ليلية لبعض ديبلوماسيينا افادت ان المدينة هادئة ولا دلائل على اضطرابات فيها ما عدا تعزيز وجود الشرطة في بعض المناطق خصوصاً في الكاظمية التي شهدت وجوداً مكثفاً للامن فيها.
وابلغ السفير الخارجية انه من غير الضروري تحذير البريطانيين من الحضور الى العراق.
مسلسل اغتيالات
وكانت برقية من السفارة في بغداد ابلغت في 14من يونيو عن مقتل عبد الرحمن عبيد موسى القيادي في حزب البعث في منطقة الثورة وهي احد احياء بغداد وتضم حوالى 250 الف شخص غالبيتهم من شيعة الجنوب. وفي العشرين من الشهر تم تشييع العبيد في النجف واتهم الامين العام للحزب «خونة» باغتياله لمصلحة دولة اجنبية لم يسمها.
وسرت اشاعات في بغداد عن ان مجموعة مقنعة اوقفت موسى واشبعته ضرباً وقطعت يديه حتى لفظ انفاسه وقيل ان المجموعة شيعية في حين ذكر آخرون ان الشيوعيين وراء مصرعه.
وعندما اوقفت قوات الامن في النجف رجل دين شابا عاد حديثا من ايران جرت في المدينة تظاهرات شاركت فيها النساء اللواتي لبسن العباءات السوداء. وتم اعتقال المتظاهرين والمتظاهرات واخضعن للتحقيق.
ووزعت منشورات، لم يُعرف مصدرها، في بغداد في الثاني والعشرين من يونيو لكنها وقعت باسم «الجبهة التقدمية» تحدثت عن ان عملاء عراقيين كانوا وراء مقتل استاذ عراقي يُدرس في جامعة عدن ومقتل مواطن عراقي لاجىء في بيروت.
البعث وحده!
وتحدث السفير عن اشارات واضحة بدأت تظهر في صحف بغداد عن دور حزب البعث الاساسي في الثورة من دون الاتيان على ذكر اي فصيل آخر ساهم فيها ما اعتبرته الهيئات الديبلوماسية الممثلة في بغداد اشارة وتمهيداً لاعلان تغييرات في القيادة، خصوصا ان الصحافة العربية، وتحديداً في بيروت كانت تتحدث عن دور اساسي للشيوعيين في ايصال البعث الى الحكم في العراق.
وفي السادس والعشرين من يونيو تسلمت الخارجية البريطانية برقية من السفير استرلينغ يتحدث فيها عن ان الرئيس احمد حسن البكر مريض وانه قد يتخلى عن واجباته، لكنه قال «لا اعرف كيف يتم ذلك، ولا احد في الخارجية العراقية يجرؤ ان يتحدث عن الآلية لذلك».
لكن البكر ظهر بعد يومين في استقبال العقيد معمر القذافي الذي وصل فجأة الى بغداد وبعدما ذكرت الصحافة في اليوم نفسه انه اجرى محادثات مطولة مع الرئيس الاسد (...).
البكر سيتقاعد
وبعد ايام قليلة، وبصورة مفاجئة وغير متوقعة، اعلن في بغداد طرد محي عبدالحسين المشهدي من مهامه اميناً عاماً لمجلس قيادة الثورة، كما اعفي من مهامه جميعاً في الحزب. ولم تُعط اي اسباب لذلك مما يعني انه سيُحال الى المحاكمة.
وعشية السادس عشر من يوليو اعلن الرئيس احمد حسن البكر انه، لأسباب صحية سيتقاعد من مهامه الرئاسية ويتخلى عن مهامه الحزبية كاملة وسيسلم الرئاسة لنائبه صدام حسين الذي كان الرجل القوي على مدى رئاسة البكر التي استمرت 11 سنة.

وترددت اشاعات في بغداد، من دون ان يؤكدها اي بيان رسمي، ان عزت ابراهيم الدوري تسلم منصب نائب رئيس مجلس قيادة الثورة من صدام كما اصبح سعدون شاكر رئيس الاستخبارات وزيرا للداخلية بدلا من الدوري كما ازيح من وزارة التجارة الوزير حسن علي في حين ابقي الدكتور سعدون حمادي وزيرا للخارجية.
برقية وصورة
وطلبت السفارة في برقية الى الخارجية بتاريخ 17 يوليو توجيه رسائل تهنئة الى الرئيس الجديد صدام حسين الذي يحب جدا تلقي برقيات من الزعماء الاجانب لتتصدر صفحات الصحف العراقية مع صوره طبعا. كما طلبت السفارة ارسال برقية تهنئة للدوري كذلك!
ولاحظ مستر ديكسون، الذي وجه البرقية، انه لم يجد رسالة تهنئة من الملكة للقيادة العراقية في ذكرى ثورة 14 يوليو وقال «لا اعرف ما هو اساس الخطأ في ذلك هل الخارجية ام وكالة الانباء العراقية التي لم تلحظ برقية الملكة اذا كانت وجهت الى بغداد».
صديق بريطانيا!
ضمن الوثائق نسخة عن برقية ارسلها السفير الى الخارجية ولم يكشف الارشيف الوطني سوى عن اجزاء منها قال فيها «ان لصدام شخصية جذابة جدا وهو صديق لبريطانيا (...) منذ وصوله الى السلطة يتعامل معنا بكل لطف واحترام، ان قاعدته قوية في الحزب والجيش وبنى شبكة واسعة من المؤيدين قبل تسلمه الرئاسة».
واضافت البرقية «ان الرئيس الجديد يواجه اخطارا ثلاثة من الشيوعيين والشيعة والاكراد ولا نرى خطرا حقيقيا على حكمه في الوقت الحاضر ونعتقد انه سيحكم سعيدا حتى آشعار آخر».
وشدد السفير على انه يعتقد بان عهد صدام سيتميز بعداوة بين «علمانية العراق وحكم الملالي في ايران. وان خميني لن يغفر لصدام ابعاده من العراق بناء على الحاح من الشاه وضغوطه».
وفي 18 يوليو 1979 تسلمت الخارجية برقية من السفير استرلينغ عن تشكيلة مجلس قيادة الثورة الجديد في ظل صدام حسين الذي لم يفرق بين مجلس القيادة والوزراء.
1 - صدام حسين رئيس المجلس ورئيس للعراق وتم اختياره باجماع الاعضاء!
2 – عزة ابراهيم الدوري انتخب بالاجماع نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة.
3 – طه ياسين رمضان عُين نائبا اول لرئيس الوزراء.
4 – نعيم حميد حداد عُين نائبا ثانيا لرئيس الوزراء.
5 – طارق عزيز عين نائبا لرئيس الوزراء.
6 – سعدون غيدان عُين نائبا لرئيس الوزراء وزيرا للنقل والاتصالات.
7 – عدنان حسين، وزير التخطيط السابق، عين نائبا لرئيس الوزراء رئيسا لمكتب الرئيس.
8 – عدنان خيرالله عُين نائبا لرئيس الوزراء نائبا لقائد القوات المسلحة وابقي وزيرا للدفاع.
9 – العقيد طارق حميد العبدالله، الذي كان مديرا لمكتب صدام، عين امينا عاما لمجلس قيادة الثورة.
10 – طارق توفيق عين وزيرا للصناعة والمعادن.
11 – سعدون شاكر عُين وزيرا للداخلية.
12 – عبد الفتاح محمد عُين وزيرا للحكومة المحلية (منصب جديد).
13 – لطيف نصيف الجاسم، كان سابقا وزيرا للزراعة، عين وزيرا للاعلام والثقافة.
14 – محمد فاضل عين وزيرا للاسكان.
15 – طايح ابراهيم العبدالله وزيرا للتخطيط.
16 – ثامر الرزوقي وزيرا للمال.
17 – امير مهدي وزيرا للزراعة والري والاصلاح الزراعي.
18 – حسن توفيق نائبا لوزير المال حاكما لمصرف العراق المركزي.
19 – ابقي منصب في المجلس سيحتله لاحقا رئيس القضاء والتشريع بصفته عضوا في مجلس الوزراء.
وفي برقية بتاريخ 23 يوليو قال السفير ان السلك الدبلوماسي في بغداد يُجمع ان العراق في ظل صدام وتشكيلة مجلس قيادة الثورة الحالي سيكون «اكثر مغامرة وثورية واندفاعة وتهورا».
ولاحظ ان الاكراد والشيعة سيتخذون مواقف متشددة «لأنهم لا يعتقدون ان صدام يمكن ان يساهم في حلحلة مشاكلهم بل هو أكثر تشددا من الرئيس السابق وان كان حكم البلاد فعليا منذ فترة».
ولاحظ السفير ان حكومة ايران لم ترسل بعد اي رسالة تهنئة للرئيس العراقي الجديد وهي اشارة مهمة سيتلقفها القريبون من صدام لتحريضه على الخميني.
وقال «ان تعيين عدنان خيرالله، ابن خال صدام، في منصب نائب القائد العام، تكريس لسيطرة العائلة والتكارتة على مقدرات العراق وسترى عددا من ابناء تكريت لاحقا في مناصب حساسة خصوصا في اجهزة الأمن.
القبس |