جريدة بــابل


ديناصورات معمارية تشوّه مركز عاصمة إقليم كردستان باسم الحداثة (الحلقة الأخيرة)
قلعة أربيل.. أقدم مستوطنة بشرية في التاريخ تخلو من ساكنيها لأول مرة منذ 5000 عام الحلقة الأخيرة 2009-12-27
 

erbil

قلعة أربيل.. أقدم مستوطنة بشرية في التاريخ تخلو من ساكنيها لأول مرة منذ 5000 عام

السليمانية: معد فياض : سبع سنوات، تقريبا، مضت على تغيير النظام في العراق. سبع سنوات مرت من حياة العراقيين الذين يستعدون في بداية العام المقبل للمشاركة في ثالث عملية انتخابات برلمانية. سبع سنوات انطفأت، أو اشتعلت، في التاريخ العراقي الجديد الذي صار يصنف، حسب الأحداث، بما قبل أو ما بعد السقوط أو التحرير أو الاحتلال الأميركي لبلد عرف بأنه وأهله، عصي على الاحتلال والمحتلين. بلد استطاعت شعوبه وعبر آلاف السنين نسج مجتمع متعدد الأديان والطوائف والقوميات، هذا النسيج يبدو حتى اليوم، قويا على الرغم من التفجيرات والاقتتال والتدخلات الإقليمية التي تتشابك مصالحها فوق أرضه وبين ناسه.

 سبع سنوات مضت على وعود السياسيين الجدد والأحزاب، التي عارضت بالأمس نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وبشرت بوعود بناء «العراق الجديد»، كما أطلق عليه الأميركيون لدى الغزو، كدولة مؤسساتية فيدرالية يسودها ربيع النظام الديمقراطي بعيدا عن خريف الانقسامات، وينتصر فيها القانون للمظلومين.

 ولكن كيف هو وضع العراق الجديد بعد سبع سنوات من التضحيات الجسام والتفجيرات والاختطافات وسيادة الميليشيات وغياب القانون في أجزاء كبيرة من ربوع الرافدين اللذين يعانيان الجفاف؟ فهل هذه السنوات السبع العجاف، والتي ستليها، سنوات خير أم أن جفاف الأرواح والأفكار والحياة سيستمر كعنوان لهذا البلد؟

 «الشرق الأوسط» لم تذهب إلى السياسيين الذين وعدوا العراقيين، وما زالوا، بحياة مؤثثة بالربيع، بل ذهبت إلى الناس، رصدت حياتهم عن قرب وفوق أرضهم لتنقل صورا من «العراق الجديد» من غير تزويق أو تحريف.

 بدأنا برصد الحياة في العاصمة بغداد، ثم هبطنا إلى البصرة، ثاني مدن العراق «وثغره الباسم»، لنصعد إلى شماله في كركوك «مدينة التآخي» التي تتحدث بأربع لغات، ومن هناك اجتزنا بوابة إقليم كردستان لنتوقف عند قلعة أربيل، قبل أن نصل إلى السليمانية (بيروت كردستان).

 وفي هذه الجولة، تعمدنا التوقف في «لاليش» حيث معابد اليزيديين؛ الدين الذي اختلف فيه كثير من الباحثين الذين حملوه أكثر مما يجب من العناوين الغريبة. هنا صور وخرائط عن «العراق الجديد».

 * حتى فترة عامين، كانت قلعة أربيل، التي تعد أقدم مستوطنة بشرية في التاريخ، تزدحم بالحياة، بالناس الذين كانوا يروحون ويجيئون، ويقفون قرب أبواب منازلهم أو يتجمعون في الساحة الرئيسية، وهنا حيث يقف هؤلاء الرجال والشباب والفتية وهم يرصدون مرور أحداثهم الرتيبة والروتينية، يقع معبد عشتار، إلهة الحب والجمال في الديانات البابلية والآشورية القديمة، يوم كانت أربيل، أو بالتحديد قلعة أربيل.

 لم تكن هناك مدينة سوى القلعة، والقلعة كانت حتى إلى ما قبل سنوات قليلة مضت هي المدينة، يعتقد أنها كانت المكان المقدس للآشوريين، وهذا ما يوضحه جليا الدكتور محسن محمد، تدريسي في جامعة صلاح الدين: «إن أربيل كانت تفوق في قدسيتها مدينة دلفوس اليونانية التي اتخذت مقرا لعبادة الإلهة أولمبوس»، حتى إن «الملك الآشوري، سنحاريب الذي تربع على عرش إمبراطورية امتدت من كردستان إلى وسط العراق وأطراف من سورية وتركيا، عبّر عن احترام وتقديس كبير لأربيل، موطن السيدة الجليلة الإلهة عشتار التي أقامت في المدينة المقدسة صاحبة آلهة الآشوريون، مدينة: أربائيلو، أوربيلم، أربيلا، الآلهة الأربعة، أربل، أربيل، (هه ولير و هو تحريف شديد لأسم أربيل بعد قلب الحروف فيه على عادة الفلاحين الكرد النازحين الى أربيل )). سبعة أسماء لمدينة واحدة عاشت منذ سبعة آلاف عام وتتواصل فيها الحياة بلا انقطاع، جيلا بعد جيل وسلالة إثر سلالة».

 مد هذا الملك، الذي عُرف بإنجازاته الحضارية، للمدينة المقدسة: «صاحبة عشتار، قناة مائية لإيصال الماء العذب من الجبال إلى وسط المدينة، وقد وثّق الملك (705 - 681) بالكتابة المسمارية هذا الحدث على جدار من الحجارة قرب قرية كردية على ضفاف نهر بستورة المنبع الجبلي الذي مد منه القناة:

 أنا سنحاريب، ملك بلاد آشور حفرت ثلاثة أنهر من جبال خاني التي في أعالي مدينة أربائيلو وأضفت إليها مياه العيون التي في اليمين واليسار من جوانب تلك الأنهار ثم حفرت قناة إلى وسط مدينة أربائيلو موطن السيدة الجليلة الإلهة عشتار وجعلت مجراها مستقيما».

 يقول ياقوت الحموي في «معجم البلدان» إن «أربيل قلعة ومدينة كبيرة في فضاء واسع من الأرض، ومحاطة بخندق عميق، كانت مدينة كاملة فيها أسوار ومنازل للأهلين، وفيها سوق عظيمة، ومسجد عظيم ما زال موجودا يقال له مزكه وتي يه نجة».

 القلعة هي مركز وقلب المدينة التي تبعد عن بغداد مسافة 350 كيلومترا شمالا، وتستقبل الزائر من مسافة بعيدة بسبب ارتفاعها عن مستوى سطح لبحر بـ450 مترا، وعن مستوى المدينة بنحو 26 مترا، متربعة على مساحة تقدر بستة آلاف متر مربع.

 ويتحدث العلامة التاريخي طه باقر عن سبب ارتفاع القلعة في كتابه «المرشد» قائلا إنه «يُحتمل أن القلعة كانت أكثر ارتفاعا في ما مضى، وأن قارا قه للا Qaraqalla الإمبراطور الروماني الذي غزا أربيل بعد عودته من حملته على طيسفون في عام 216م، هدم ذروتها ونبش فيها القبور التي تُعزى إلى الملوك الفرثيين».

 أما حول الوصول إلى القلعة والدخول فيها في العهود القديمة، فقد جاء في كتاب «العراق قديما وحديثا»: «لا يمكن الصعود إلى القلعة إلا من درجين قديمين، ومن درج ثالث فتح قبل نحو أربعين عاما، وكان الباب الرئيسي للقلعة، وقد اتخذ هذا الحصن مدة دار الحكومة ومدرسة ومستوصفا». وفي مجلة سومر لسنة 1949 ذُكر أن «القلعة ليست إلا بقايا مدينة آشورية مهمة تعرف باسم أربا - ئيللو مشيَّدة على تل أثري قديم العهد».

 بقيت قلعة أربيل محتفظة بهيكلها القديم إلى نهايات الخمسينات من القرن الماضي، وكانت تتكون من محلات تسكنها عوائل كردستانية من أديان مختلفة منها إسلامية ويهودية وكان فيها كنيس لممارسة الشعائر الدينية اليهودية، وفي وسط القلعة جامع القلعة الكبير الذي كان وحتى ما قبل عام يحتضن جموع المسلمين في يوم الجمعة، وبجانبه حمام قديم واسع مبني على طراز مميز، ومن أشهر محلات القلعة، السراي التي تقع في الجهة الشرقية، والطوبخانة في الجهة الجنوبية الغربية، والتكية تقع في الجهة الشمالية الغربية.

 قبل أكثر من عامين، وخلال زيارة للقلعة التاريخية كان الأطفال ينتشرون في الأزقة، ملونين بملابسهم الزاهية مثل حياة هذه البقعة التي صارت بيوتها خربة بتقادم الزمن، التقطت صورة لطفلة، لكنها سرعان ما أحضرت شقيقها وشقيقتها الأصغر سنا منها وطلبت مني أن ألتقط لثلاثتهم صورة جماعية، ثم سحبتني من يدي إلى حوش بيتهم القديم طالبة مني أن التقط صورة أخرى لوالدتها وجدتها اللتين كانتا منشغلتين بغسل الصحون والطبخ لتهيئة طعام الغداء. كان البيت الذي لا يختلف كثيرا في عمارته عن البيت البابلي أو البغدادي القديم، في تصميمه التقليدي، يتكون من الباحة الرئيسية (الحوش)، حيث تجري هناك الفعاليات اليومية للعائلة، محاطا بثلاث غرف صغيرة، لكن أجمل ما في البيت كان سلمه الملتصق بالجدار الذي يفصل البيت عما حوله.

 في الزقاق الضيق المتفرع من الشارع الرئيسي للقلعة، كان رجل يرتدي الزي الكردي التقليدي، يحمل بطيخة (رقية) كبيرة على كتفه، متوجها إلى داره بعد عناء يوم عمل ساخن، قال: «عليك أن تصور هذه البيوت والشوارع والأزقة التي ستختفي عما قريب»، موضحا أنهم تلقوا إنذارات من الحكومة لترك القلعة لغرض إعادة صيانتها، كان يقول ذلك بكثير من الحزن والأسف.

 اليوم ثمة مشروع كبير لإحياء هذه القلعة التاريخية، وبالمشاركة مع منظمة اليونسكو التي أدرجت قلعة أربيل أثرا تاريخيا. المهندسة شيرين شيرزاد إحسان، رئيسة الهيئة العليا لإحياء قلعة أربيل، والمعماري الدكتور إحسان فتحي، الأستاذ في قسم العمارة بجامعة بغداد سابقا وفي إحدى الجامعات الأردنية حاليا، هما من كبار المشرفين على المشروع.

 القلعة «المدينة» خالية تماما الآن، فقد تم تعويض السكان بمبالغ مجزية ورحلوا عن بيوتهم قبل أن تسقط فوق رؤوسهم، هكذا أوضحت المهندسة شيرين، مستطردة بأن «هؤلاء لم يكونوا من سكانها الأصليين، فالسكان الأصليون، من العوائل الأربييلية العريقة قد تركت القلعة منذ سنوات طويلة، ثم زحف إليها مهاجرون من القرى المحيطة بالمدينة وبنوا فيها بيوتا عشوائية لا تمت بصلة إلى عمارة وتاريخ القلعة». وإلى وقت قريب كان هناك ما هو أقرب إلى المتحف منه إلى متجر أنشأه مواطن متحمس لتراث المدينة، في واحد من البيوت التراثية الكبيرة في القلعة، جمع فيه كل ما يتعلق بتاريخ أربيل والعراق من منسوجات وبُسُط يدوية جميلة وصور نادرة وأزياء شعبية، لكن النيران التهمت كل ما كان موجودا في هذا المتحف الشعبي، ولم يتبقَّ منه سوى أخشاب متفحمة، وقطع سوداء متناثرة هي بقايا الحريق المؤلم.

 شيرين تدخل بيتا تراثيا يعود تاريخ بنائه إلى أكثر من قرنين، تؤشر مع المعماري فتحي أكثر من إضافة عشوائية تم بناؤها على مر الزمن ليتلاءم البيت الكبير مع متطلبات ساكنين جدد توالوا على المكان، البيت يعود إلى تاجر أربيلى كبير، وعمارته لا تزال تحتفظ بأصولها القديمة التي تمثل هوية البيت الأربيلى التراثي، وهو لا يختلف كثيرا عن بيوت بغداد والشام التراثية: باحة كبيرة تتوسطها نافورة لترطيب الجو ومقاومة الجفاف في أيام الصيف الساخنة، بالإضافة إلى وظائفها (النافورة) الجمالية، وزخارف نباتية وهندسية متنوعة مستمَدة من زخارف المدرسة المستنصرية ببغداد وقصور سامراء، إذ إن «المسلمين لم يرسموا الشكل الإنساني أو التشخيص البشري لتحريم ذلك، لهذا لجأوا إلى الزخرفات الهندسية والنباتية، فكانوا يضعون مربعا فوق الآخر بشكل مائل ليخرج مثمن»، هكذا يوضح الباحث المعماري فتحي الذي يمتلك أكبر أرشيف من البحوث والدراسات والصور التي توثق العمارة العراقية في مختلف المدن.

 يُستغرق شيرين وفتحي في الحديث عن تفاصيل معمارية بمصطلحات أكاديمية، يناقشان درجة ميَلان سلم البيت، ووظائف القبو (السرداب) واتساع نوافذ الغرف، بينما أُستغرق أنا في الاستمتاع بالسقوف المزخرفة، سقوف من زجاج وخشب، وجدران هي عبارة عن لوحات فنية متكاملة، لا تحتاج سوى نفض غبار السنوات عنها لتعود متألقة كما كانت.

 توضح رئيسة الهيئة العليا لإحياء قلعة أربيل: «ضمن برنامج مشروعاتنا إزالة كل الإضافات البنائية العشوائية من هذه البيوت وإعادتها إلى أصولها المعمارية، حيث سيتم ذلك من قِبل باحثين ومعماريين وبنائيين (أسطوات) محليين وبواسطة مواد بنائية أصلية، فنحن مثلا لن نستخدم الحديد أو مواد إنشائية حديثة، بل ذات الخشب والطابوق الذي تم استخدامه في بناء هذه البيوت التي تعد ثروة تراثية هائلة، أما البيوت التي بُنيت في القلعة وبصورة شاذة معماريا فسوف يتم تهديم غالبيتها والإبقاء على بعضها كتاريخ لمراحل سكن هذه القلعة التي تعاقب على سكنها عراقيون منذ ما يقرب من ستة آلاف عام».

 من شباك بيت تراثي يبدو بيت آخر، لا تختلف تفاصيله المعمارية كثيرا عن الأول، ويعود إلى عائلة ثرية كردية، ذلك أن «سكان القلعة الأصليين كانوا من العوائل الكردية المعروفة والثرية لأنها (القلعة) كانت مركز أربيل، بل البقعة السكنية الوحيدة، وهي المدينة برمتها تحيطها القرى التي تقع بعيدا عنها في الوديان وبين الجبال»، حسب توضيح المهندسة شيرين. من يُطلل من هذا الشباك يجد فسحة واسعة لرؤية مساحات شاسعة من مدينة أربيل، يفاجئنا جدار من الأبنية العالية الحديثة التي تقف عائقا بين القلعة وبقية فضاءات المدينة، جدار كونكريتي مطليّ باللون الأبيض وبلاطاته من المرمر الأحمر، وتبدو شبابيكه بزجاجها الأزرق المعتم مثل وحش يستعد لمهاجمة أبنية القلعة بطابوقها وتراثها ورائحة رطوبة أزمنتها.

 الاستياء يرتسم على وجه المهندسة شيرين وهي تتطلع لهذه الأبنية الحديثة التي تصفها بـ«الديناصورات»، مشيرة إلى أن هذه «تجارب معمارية شوّهت معالم مركز المدينة القديمة المتميزة بقلعتها التاريخية، فقد تم تهديم مناطق سكنية وتجارية شاسعة باسم المركز المدني الجديد، وهدمت معها مقابر ذات قدسية لدى المجتمع الكردي ولا داعي للحديث عن (الديناصور) الذي ظهر في محيط المنطقة القريبة من القلعة فهو ماثل أمامنا»، مستطردة في شرحها: «الخسارة لا يمكن قياسها ببساطة في عدد الأبنية المشيدة كبديل. كما أن حجم التلوث البصري في خط الأفق وما يرافقه من ضياع في خصوصية المدينة لا يمكن تعويضه بعمران يدّعي العصرية أو الحداثة».

 وتضيف شيرين أن «القرارات غير المدروسة داخل مراكز المدن التاريخية أو القريبة منها أو تلك التي تقع على محاورها، والإهمال المستمر عبر السنين لهذه المراكز القديمة وتعرضها للخراب والتآكل وعدم وجود نص قانوني يحافظ على الأبنية التراثية الخاصة بالقطاع الخاص وإن وجدت فهي غير كافية، وعمليات شق الطرق في الأحياء القديمة باسم التجديد بحاجة إلى وقفة ومراجعة، فالمعاصرة لا تعني الانقطاع عن الجذور واستيعابها لا يعني التفريط في تراث الأمة الحضاري».

 ضمن المشهد الذي تطل عليه القلعة، سوق أربيل القديمة، التي تسترخي بترف على مساحة شاسعة، هذه السوق (القيصرية) التي تتفرع إلى أسواق عدة، أسواق تختلف في خصوصية معروضاتها، أسواق تلتقي وتتفرق وتتداخل بطريقة لا تعطي فرصة للزائر أن يتركها منذ أن يلجها سواء عن قصد أو بفعل غوايات روائح عطور الأعشاب والتوابل وأنواع الحلوى المصنعة يدويا في البيوتات الكردية، سوق تأخذك إلى أخرى، تجرفك مثل تيار مياه يجري بقوة في نهر من الناس، سوق الأقمشة تفضي إلى سوق الملابس النسائية، ثم سوق صاغة الذهب والفضة، حتى سوق الإكسسوارات النسائية، وهكذا حتى سوق الحلويات التي يقابل مدخلها سفح القلعة، بينما قبالته تماما، وعند حافة سفح التل الذي تنتصب فوقه قلعة أربيل، تجتذب ألوان البُسُط المنسوجة يدويا الزائر، كأنها بانوراما يومية دائمة، بُسُط يتداخل فيها الأحمر مع الأزرق والأخضر، رسمتها بخيوط الصوف والحرير أنامل كرديات حسناوات يحيين في أرياف كردستان المشهورة بطبيعتها الملونة والبهيجة، لهذا تبدو منسوجات وملابس المرأة الكردية محاكية لطبيعة مناطقها.

 تعبر المهندسة شيرين، الشغوفة بتاريخ وتراث مدينتها، عن خشيتها من اختفاء سوق أربيل القديمة وأن تحل مكانها مراكز تجارية لا تنتمي عمارتها إلى التراث المعماري للمدينة، وتقول: «من المؤسف أن نجد اليوم مدينة أربيل مهددة بزوال القطاعات التاريخية القديمة من خلال الزحف العمراني الحديث وشق الطرق واستعمال الأراضي بعمران يتميز في أغلبه بعدم ملاءمته مع البيئة المحيطة وبتناقض مقصود في بعض الأحيان مع واقع البيئة المحلية وجغرافية المنطقة».

 وتذهب رئيسة الهيئة العليا لإعادة تأهيل قلعة أربيل إلى عمق المشكلة مباشرة قائلة: «أربيل تعاني انعدام الضوابط التخطيطية والعمرانية والقانونية اللازمة للحفاظ على خصوصيتها، كما تفتقر إلى المسوحات التوثيقية التسجيلية الضرورية لتثبيت مفردات التراث المعماري والحضاري فيها».

 ولا تنظر المهندسة شيرين إلى العمارة بعين اعتيادية، فأي شخص يمر من أمام عمارة فسوف يستقبل ما يعتقده من قيم جمالية مجردة ومسطحة، ويمكن أن يحكم بأن هذه العمارة جميلة أو قبيحة، وقد لا ينتبه كثيرا لعيوبها المعمارية أو البيئية ولا للعيوب المكانية، لكن معمارية وباحثة مثل شيرين ترى الأماكن والأبنية والألوان والتفاصيل بعين أخرى، عين متخصصة ومتلبسة في فهم المنشأ المعماري ودراسة وظائفه وموقعه وتأثيره على ما هو حوله، وتوضح ذلك قائلة إن «للشكل في العمارة دورا مهما وقياديا، فهو الذي يسجل حضارة الأمم حيث العمارة ملموسة وواضحة للعيان وحاضرة في كل مكان». وتخص بالذكر مدينة أربيل، مستفيضة في توضيحها: «إن الشاهد الأكثر شمولا على ماضي وحاضر مدينة أربيل هو القلعة (قلعة أربيل التاريخية) وهي تجلس شامخة في مركز المدينة تعكس في ثناياها قصة الحياة المادية والمعنوية لفترة تاريخية تمتد إلى آلاف السنين. كيف يمكن تجاهل هذا الإرث العظيم؟ كيف يمكن أن نتجاهل مركزية تكوينها؟ كيف يمكن أن نتحاور معها لنعيد إليها مجدها من خلال احترام مقياسها الحضري؟ كيف يمكن أن نتعلم من تكوين نسيجها الحضري ومن تخطيطات دورها السكنية وتفاصيل زخارفها الأنيقة؟ جمالها الطبيعي نابع من الهندسة التي قوامها الانتظام والتناسب».

 تخشى المهندسة شيرين أن تمتد آليات الهدم إلى مواقع تراثية أخرى في مركز مدينة أربيل المحيط بالقلعة تحت ذريعة التجديد والحداثة، لا سيما أن أسعار العقارات في هذه المنطقة هي الأغلى على الإطلاق، وقد يشكل هذا غواية لأصحاب هذه العقارات الذين لا يجنون من إيجارات المحلات القديمة سوى مبالغ زهيدة إذا ما قورنت بدلات الإيجارات بأسعار المتر المربع الواحد كأرض خالية، ثم تزرع فوق هذه الأرض أبنية تشكل نشاز معماري وسط هذا الهارموني المتناسق الذي يشكل مع القلعة التاريخية والمحلات السكنية القديمة المبنية بالطابوق والسوق القديمة متجانسة جمالية معمارية هي في الحقيقة الهوية المعمارية والثقافية للمدينة، توضح شيرين: «إن انتشار ظاهرة العمران غير المنسق والطرز المعمارية الغربية أدى إلى تدمير التناسق بين الماضي الأنيق والحاضر الغريب. والغريب أن معظم هذه الضغوط والتحديات على الماضي تأتي من المؤسسات الحكومية وبعض أصحاب القرار من سكان المدينة أنفسهم».

 وتحذر المهندسة شيرين من مسألة في غاية الأهمية، وهي أن «القرارات التي تُتخذ في هدم وإعمار القطاعات القريبة من القلعة دون الرجوع إلى مخطط القلعة من أجل التوفيق بين مستقبل مركز المدينة والقلعة ووضع إطار عمل موحد سيسبب إشكالية كبيرة ولربما تشويه البيئة المحيطة للقلعة أو التنافس البصري معه وتقليص هيمنتها التاريخية، كما أنه قد يعرقل الجهود التي تبذل الآن لإدراج القلعة في سجل التراث العالمي»، موضحة أن «أحد أهم بنود إدراج القلعة في سجل التراث العالمي هو الحفاظ على أصالة الموقع، أي علاقة القلعة بنسيج المدينة، وتأتي أصالة القلعة في مظهرها العام وتأثيرها معلما بارزا يمكن رؤيته من مسافة بعيدة تحدد وترسم خط أفق المدينة مركزيا، إلى جانب أصالة المواد البدائية والتصميم».

 وتنبه رئيسة الهيئة العليا لإحياء قلعة أربيل إلى أنه «لا بد من اعتماد تصاميم توافقية مع الطبيعة التاريخية والتراثية للقلعة، فعند تصميم الفضاءات المفتوحة، حديقة عامة، مثلا، يجب التفاعل مع تراث القلعة ومخطط أحيائها (مركزا ثقافيا اجتماعيا سياحيا)، فبدلا من اعتماد التصاميم المألوفة في تصميم الحدائق (نافورات وأشجارا)، هناك ما يسمى بالحدائق الثقافية التي تكون امتدادا للسياق العام لموقع القلعة مثلما هو الحال بالنسبة إلى أشكال المباني المختارة حيث يجب توافقها مع سياق التكوين الحضري والمعماري المستلهم من الماضي وبروح الحاضر المعاصر»، محذرة من أن «التعامل مع مركز المدينة القديم بكل تفاصيلها التخطيطية لا يمكن الاجتهاد بها كيفما اتفق».

 وتشير المهندسة شيرين إلى «الوضع الخاص لمدينة أربيل والخطط الطموحة لحكومة الإقليم لتطويرها، إذ لا بد من مراجعة جادة لملفات تخطيطها العمراني مع نظم البناء فيها والمخطط الأساس الجديد لمدينة أربيل المعمول به حاليا والذي أعده المكتب الاستشاري (دار الهندسة)»، كاشفة عن أنه «مر ما يقارب ثلاثة أرباع القرن على نظام الطرق والأبنية الصادر 1935، وآن الأوان لسد الثغرات الكبيرة فيه على الرغم من تعديلاته العديدة فإنه ما زال يغطي مجالا ضيقا من المتطلبات الضرورية للتخطيط والبناء وينقصه الكثير من متطلبات الإنشاء الصحيح والمتطور وما يلحق من متطلبات تخص المدن القديمة ذات الخصوصية التراثية والحضارية»، منوهة بأن هذا النظام «لم يعد يستجيب لمتطلبات العصر ولا يتلاءم مع التطورات الاجتماعية والاقتصادية وحتى التقنية التي تمر بها المنطقة».

 لهذا فهي تقترح «تشكيل لجنة مختصة تضم خبراء مختصين في التخطيط العمراني وتخطيط المدن القديمة والحفاظ على التراث بالتنسيق والتعاون مع الهيئة العليا واليونسكو لدراسة وتقييم مخطط مدينة أربيل الجديدة ورفع التوصيات بشأنها، كما اقترح أيضا تنظيم ورشة عمل لأصحاب القرار في المؤسسات الدولية المختلفة لاستعراض أهم البنود العالمية الخاصة بإدراج القلعة في سجل التراث العالمي. كما أناشد المسؤولين ضرورة مراجعة ملف قوانين البناء بما يخدم الحفاظ على هوية المدينة خصوصا ونحن نتطلع إلى مستقبل يتميز بمد جسور حضارية بيننا وبين الأمم المتقدمة التي تحترم تاريخها الحضاري وتمجده»، مشيرة إلى أن «رقي الأمم يقاس بمدى اهتمامها والحفاظ على إرثها الثقافي والتاريخي وذلك من خلال القوانين والضوابط العمرانية التي تضعها وتحترم تطبيقها. إنها حقا مسؤولية تاريخية كبيرة يجب عدم التفريط فيها بهذه السهولة».

الشرق الأوسط

الموقع ليس مسئولا عن محتوى المقالات المنشورة www.babil.info